القرطبي
57
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
حقه المتينة فذكره لأنه ذهب بها إلى الشئ المبرم المحكم الفتل ، يقال : حبل متين . وأنشد الفراء : لكل دهر قد لبست أثوبا * حتى اكتسى الرأس قناعا أشيبا * من ريطة واليمنة المعصبا * فذكر المعصب ، لان اليمنة صنف من الثياب ، ومن هذا الباب قوله تعالى : ( فمن جاءه موعظة ( 1 ) ) أي وعظ ( وأخذ الذين ظلموا الصيحة ( 2 ) ) أي الصياح والصوت . قوله تعالى : ( فان للذين ظلموا ) أي كفروا من أهل مكة ( ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم ) أي نصيبا من العذاب مثل نصيب الكفار من الأمم السالفة . وقال ابن الأعرابي : يقال يوم ذنوب أي طويل الشر لا ينقضي . وأصل الذنوب في اللغة الدلو العظيمة ، وكانوا يستقون الماء فيقسمون ذلك على الأنصباء فقيل للذنوب نصيب من هذا ، قال الراجز : لنا ذنوب ولكم ذنوب * فإن أبيتم فلنا القليب وقال علقمة : وفي كل يوم قد خبطت بنعمة * فحق لشأس من نداك ذنوب وقال آخر ( 3 ) : لعمرك والمنايا طارقات * لكل بني أب منها ذنوب الجوهري : والذنوب الفرس الطويل الذنب ، والذنوب النصيب ، والذنوب لحم أسفل المتن ، والذنوب الدلو الملأى ماء . وقال ابن السكيت : فيها ماء قريب من المل ء يؤنث ويذكر ، ولا يقال لها وهي فارغة ذنوب ، والجمع في أدنى العدد أذنبة والكثير ذنائب ، مثل قلوص وقلائص . ( فلا يستعجلون ) أي فلا يستعجلون نزول العذاب بهم ، لأنهم قالوا : يا محمد ( فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ( 4 ) ) فنزل بهم يوم بدر ما حقق به وعده وعجل بهم انتقامه ، ثم لهم في الآخرة العذاب الدائم ، والخزي القائم ، الذي لا انقطاع له
--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 359 ( 2 ) راجع ج 9 ص 61 ( 3 ) قائله أبو ذؤيب . ( 4 ) راجع ج 7 ص 237 وج 9 ص 27